بقدر ما هيأ الله سبحانه وتعالى لكافة عباده مُختلف سبل الحياة ومتغيراتها والاستمتاع بملذاتها والقيام بأعبائها وأنشطتها المتنوعة والمتجددة، بقدر ما حذرهم ومنعهم وحرم عليهم بالمقابل، ممارسة كل السلوكيات والتصرفات التي تؤدي إلى إلحاق الضرر بأنفسهم أو تؤذي غيرهم، وجميعها لمصلحتهم لكي يعيشوا بسلام ويعبدوا الله على بصيرة، من هدى الإسلام الحق المبين الذي ارتضاه لهم للفوز بجنته النعيم المقيم أو الانصياع لاغواءات الشيطان الرجيم ووساوسه ومكائده، فضلاً، عن الأهواء النفسية الامارة بالسوء ومآل ذلك النار وبئس المصير، استجابة لقوله تعالى ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) وقوله أيضاً ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ما نود أن نقوله من على هذا المنبر الوضاء يتمثل في أن أكثر الناس في عالمنا المعاصر، يتردد على السنتهم كلمة عادي إما عن جهل أو تجاهل فيما يريدون تحقيقه لأنفسهم من مكاسب مالية أو لغيرهم ممن يلجئون إليهم في حل مشاكل أو توسط في انهاء قضية مُعينة، ولعلنا قبل الخوض في التفاصيل يحسن بنا أولاً تعريف ماهية هذه الكلمة، فهي من حيث المعنى اللغوي كل ما ألفه الإنسان وقام بفعله دونما تفكير، أما في المصطلح العام فهي المُسوغ الذي يستخدمه الشخص حينما لا يجد ما يُود قوله من كلام، كما وأن هذه الكلمة تُستخدم كوسيلة للتخفيف من حدة مشكلة بذاتها أو موقف بالغة الصعوبة، علاوة على ما تخفيه مما يبعث على الشر، والعدوان، ولذلك لا يُمكن استخدامها البتة، فيما نهى عنه الله ورسوله، وكذلك عند احقاق الحق وازهاق الباطل وفي حالة إقناع شخص متشبث بعقيدة وقيم اجتماعية أو غير ذلك من الأخلاق السامية التي تُمجد الإنسان وتحفظ كرامته، ولذلك من غير المعقول، أن يقول الأبن وهو يهجر والديه أو أحدهما واللذان أمره الله بطاعتهما لأي سبب (عادي ) أو يتعمد مُراجع القيام بإيذاء موظف لمجرد عدم انهائه لمعاملته من باب الانتقام (عادي) بل هناك مجتمعات كثيرة على اتساع الأرض يعتبرون شرب الخمر، والتعري وممارسة الدعارة، سلوكاً مُباحاً، وعادياً إن لم يكن حضارياً بينما العكس هو الصحيح لانسجام ذلك مع الفطرة الإلهية ( الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يقول أحد الدُعاة في هذا الصدد، بأنه عندما أوضح لممثل مسرحي بعدم جواز تقبيل زميلته الممثلة أو مصافحتها على اعتبارها أجنبية أو من غير المحارم قال له عادي، أما ذلكم الشاب الذي رأيناه بأم أعيننا وقتما دعانا والده لزيارتهم في منزله، فقد قام بإحضار ما يُطلق عليها بالارجيلة لممارسة التدخين، وعندما مازحه أحد جيرانه بقوله احترم والدك يا بُنيّ، رد عليه بقوله(عادي ) ولفظها والده أيضاً، فيما آسفنا كثيراً ترجل أحد الحاضرين في استراحة خاصة بإلقاء كلمة، غلب عليها الاستخفاف وقلة الحياء، وعندما أنكر عليه أحد المدعوين، رد عليه ببجاحه لا تنزعج، ولم يكتفي بذلك، وإنما قال له وش دخلك؟ يا ملقوف، تجدر الإشارة إلى أن كلمة عادي لم يرد لفظها على هذا النحو، في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، لكونهما يُمثلان منهج حياة مُحكم وقويم ومتكامل وشامل، وسر، السعادة التامة لعموم البشر حتى قيام الساعة، لما يتضمنانه من حث على طاعة الله وحُب الخير والعمل الصالح والنهي عما سواهما من سلوكيات غير خلاقة، كالتهكم والسخرية والاستهزاء والتضليل والخيانة وطمس الحقائق، والافتراءات الكاذبة والدناءة والكلام البذيء، والاباطيل والتشرذم وسوء الخلق وغيرها من المنهيات الالاهية الواردة في كتاب الله العزيز، والتي تزيد على مائتين وخمسين آية، نذكر منها على سبيل الاستشهاد قوله تعالى( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)( وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ )( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)(وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْعصيان)( وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أما في السنة النبوية، فهناك أيضاً منهيات كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)( ولا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ )(ولا تَسُبُّوا أَصْحَابي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَه)( ولا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيه بِالسَّلاحِ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ في يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةِ مِنَ النَّارِ)( ولا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسلم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ وينطبق ذلك على النساء)( ولا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا)( ولا تتَّبِعُوا عورات المسلمين؛ فإنه مَن تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومَن تتبَّع الله عورته فضحْهُ ولو في جوف رحله)(ولِيَكُن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرَّه، وإن لم تُفرِحه فلا تغمَّه، وإن لم تَمدحه فلا تذمَّه، قال تعالى وهو ما نختم به مقالنا هذا (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا، إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وبهذا الالتزام الالهي العظيم تغدوا كلمة (عادي ) فيما نعتقد لا محل لها من الإعراب، فاتقوا الله ما استطعتم.
![]()