بون شاسع بين كون الإنسان ينظر لعموم حياته بعينيه المُبصرتين، وبين كونه ينظر لعموم حياته، ببصيرته وبعد نظر، ولعل الفارق بينهما، يتضح في أن الإنسان في الحالة الأولى لا يرى إلا ما قد يقع أمام عينيه ومن حوله فقط، ولذلك لا غرابة حينما يشوبه نقص في التفكير، والمدركات الحسية ولربما مواجهة مشاكل لا تُحمد عقباها إذا ما تطورت وتفاقمت، بينما في الحالة الثانية يرى هذا الإنسان ببصيرته وبُعد نظره، مما يُجنبه الوقوع في المشاكل، والاخطار في الغالب الأعم، والبصر، وأداته العينين يُمكن أن يُخدع أو يضعف مع التقدم في السن أو يُـفـقد، بينما البصيرة ومنطلقها الإيمان بالله ورجاحة العقل والروية الثاقبة والإرادة القوية، فعادة ما تكون نتائجها إيجابية في شتى مجالات الحياة، وصفها ابن القيم الجوزية يرحمه الله ( بأنها نورٌ يقذفه اللهُ في قلب المؤمن، وكأنه يرى الأشياء حقيقة) وبالتالي فليس كلُّ مُبصر بصير، أو العكس مصداقاً لقوله تعالى (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) ولتقوية البصيرة وتنويرها، لابد من توافر عدة عوامل، وفي مقدمتها، تعلّم القرآن الكريم والأحاديث النبوية، يليها اتباع المنهج الإسلامي القويم، وسلامة العقل من العاهات على اعتباره القوة المميزة بين الخير والشر، والحق والباطل، بالإضافة للاستفادة من العلوم والثقافات والخبرات والتجارب ، وكلمة بصيرة وردت في القرآن الكريم بصيغة الجمع في خمس آيات، ومنها قوله تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) وبصيغة المفرد في آيتين ومنها قوله تعالى( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) وفي المعاجم اللغوية، رجل تبصر، واستبصر، أي تمهل في الأمور، لاظهار ما يعتريها من مشاكل وعراقيل والمسارعة في علاجها، وهي تتفاوت في درجاتها بين سائر البشر، تبعاً لما يملكونه من إيمان صادق ويقين راسخ بالله تعالى، ووعي وادراك وفطنة، وعلم وخبرة وفراسة، واتزان عاطفي استجابة لقوله تعالى(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) فيما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (أبصر الناس من أبصر عيوبه وأقلع عن ذنوبه) وللمُتبصر، علامات ومنها: بأن توقعه لا يخيب، ويفهم ما يقوله المتحدثون من حوله وبسرعة، أو كما يُقال يفهمها على الطاير، ولنا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فلقد بدا دعوته سرًّا، خشية وأدها في مهدها، ثم جهراً، حتى إذا ما انتشرت على نطاق واسع ثم قويت قام حينئذ بتأسيس أول دولة إسلامية على وجه الأرض، وعندما بلغة بتجبر كسرى ملك الفرس، وأصبح من المفسدين في الأرض، فقد بشر أصحابه بزوال ملكه بقوله: لا كسرى بعد اليوم، مؤكدين في ذات الوقت بأن أي خطة عمل أو اتخاذ قرار، ولكي ينجحا لابد وأن يؤسسا على دراسة متعمقة ومتأنية وبعد نظر، كما وأن التوافق في العمل التربوي والتعليمي، يساهم في نجاحه، راجين ألاّ نكون فضوليين وقتما اعترضنا على رأي موجه إدارة مدرسية زارنا في أحد السنوات القديمة ونحن نشغل مديراً لعدة مراحل دراسية بأحد المناطق والذي لا يرى بأساً من كتابة ملاحظات في دفاتر تحضير الدروس للمعلمين بعدما اطلع عليها ولم يجد فيها سوى عبارة نظر مع الشكر ووفقكم الله، بينما نحن نخالفه هذا الرأي حفاظاً على مكانة هؤلاء المعلمين التربوية والعلمية والاجتماعية لتوقعنا بتسلل نظرات طلبتهم الجالسين في المقاعد الأمامية بفصولهم لدفاترهم، وهي مفتوحة، اثناء شرحهم للدروس أو يراها أبنائهم داخل منازلهم من باب حب الاطلاع، فينموا حينئذ إلى أذهانهم بأنهم مقصرين، وحيث أبلغنا الموجه بوضعنا سجل لهذه الملاحظات ، وأن اتباعنا لهذه الطريقة قد استوحيناها من المنهج النبوي ومن خبرة رواد التعليم الأوائل، فقد رد علينا وهو غاضب بقوله: اعتبرني ما أفهم شيء، ثم غادر المدرسة، أما الذين يُحبذون الزواج من الخارج لقلة المهور والتكلفة المالية، دونما الأخذ في الاعتبار القيم الاجتماعية الأصيلة واختلاف الأنظمة والقوانين ولربما خلافات سياسية، فأنهم بهذه النظرة القاصرة ستكون حياتهم غير هادئة ومستقرة من ناتج حدوث مشاكل اجتماعية جمة من حين لآخر، والضحية الأبناء لاسيما حين الانفصال، بل هناك أبحاث ودراسات اجتماعية أظهرت في نتائجها بأنه من أسباب كثرة الطلاق، الزواج غير المتجانس والمتكافئ، نقول ذلك من واقع مجالستنا لأشخاص عاشوا هذه التجربة، ولكل قاعدة شواذ، داعين الآباء إلى تربيتهم أبنائهم على المنهج الإسلامي القويم، والحيلولة دون وقوعهم في المزالق الفكرية، والهوس التقني والتيه في عالم تسوده فوضى عارمة وانحلال خلقي منقطع النظير، وعلى الأطباء ألاّ يكتفوا ببصيرتهم في علاج مرضاهم بعمل الأشعة والتحاليل والتي لا داعي لأكثرها أحياناً، واعطائهم الوصفات الطبية، وإنما القيام ببث الأمل والتفاؤل في نفوسهم، وتحاشي كل ما يُقلقهم ويُضعف معنوياتهم، وعلى مُلاك العقارات أيضاً أن يدركوا ببصيرتهم، بأن الاستغلال الفاحش مُحرم في الإسلام، ولو أنهم وضعوا أنفسهم مكان أولئك الناس المحتاجين، لما قبلوا بذلك، مُعتبرين منع صديق أبنائه من الذهاب لمجاري أودية خشية تعرضهم لسيول جارفة ينم عن وعيه وبعد نظره، بينما افتقر لهذه السمة شخص آخر، وقتما سمح لأبنه الوحيد بالذهاب لذلك المكان ليتفاجأ بُعيد ساعات قليلة، بوفاته، فطوبى لمن جعل التبصر، وبعد النظر نصب عينية في كل ما ينوي القيام به من أعمال وتوجهات، ولله در الشاعر حينما قال( لَيسَ الكَفيفُ الَّذي أَمسى بِلا بَصَرٍ* إِنّي أَرى مِن ذَوي الأَبصارِ عُميانا )
![]()