كنا نظن بأن مشكلة استقدام الخادمات المنزلية أو تشغيلهن من قبل شركات داخلية قد انتهت تماماً أو تقلصت إلى حد كبير، بعدما تم فتح مجال الاستقدام من دول عديدة، وتحديد السقف المالي للاستقدام بحسب تصنيف الدول المُستقدم منها، ولكن بعدما تتبعنا هذه القضية الشائكة، وبما لمسناه بأنفسنا، وجدنا بأن هاذان الإجراءان، لا يكفيان لحل هذه المشكلة، طالما هناك إقبال مُنقطع النظير على الخادمات المنزلية، ذلكم لأن مُعظم أسرنا السعودية، إن لم يكن بين ظهرانيها، كبار في السن أو مرضى، ومُقعدون ويحتاجون لرعاية خاصة، لديها أيضاً أطفالاً من مُختلف الأعمار ويحتاجون لمثل هذه الرعاية التامة، إذا ما كن أمهاتهم مُلتحقات بأعمال وظيفية، عدا قيام أسر تعيش حياة الثراء والترف، بجلب خادمات لأكثر من احتياجها الفعلي، وهو ما نعتقده سبباً رئيساً في تنامي العرض والطلب على الخادمات، وهو ما جعل البعض من الشركات والمؤسسات ومكاتب الاستقدام والسمسرة تستغل مثل هذه الظروف، لجني المزيد من المكاسب المالية الباهظة، في الوقت الذي تقوم فيه بعض مكاتب الاستقدام بنقل كفالة خادمات لديها من أسرة، لأخرى تحت مقولة إن لم يصلحن عند أحداهن يصلحن عند الثانية والثالثة وهكذا، وبالطبع فإنها هي المستفيدة بالدرجة الأولى مالياً، وفي كل اتجاه، أما بالنسبة للشركات واللاتي يحتكرنّ الخادمات، لاسيما الاندونيسيات لتميزهن بالعمل بحسب نظرتها، بينما العكس هو الصحيح لبعضهن على أرض الواقع، فيعمدن لرفع رسوم الخادمات لديها يومية أو شهرية أو بهما معاً كلما اقترب شهر رمضان المبارك بينما لا ينلن الخادمات أنفسهن شيئاً من هذه الزيادة، فرواتبهن مكانك سر!! علماً بأنهن الأولى بهذه الزياد، إذا ما أخذ في الاعتبار تزايد الأعباء الرمضانية عليهن، مقارنة ببقية الشهور العادية، يقول أحد المستفيدين من هذه الخدمة وهو مُضطر لها أيما اضطرار، بأن خادمتهم دائماً ما تترنح وتتذمر وتتكاسل حتى في أبسط الأعمال المناطة بها نظاماً، وعندما سألها لماذا أنتِ كذلك ؟ قالت راتبي الشهري من الشركة 1200ريال، ولعلنا نطرح هنا سؤال، ما ذنب هذا المستفيد وأمثاله، وهم يقومون بدفع ما يزيد على ثلاثة آلاف ريال شهرياً لهذه الشركة ونظائرها، مقابل ما يطمحون إليه من خدمات تتفق مع شروط العقد على الأقل؟ مُتوقعاً هذا الشخص بأنه، سيتفاجأ برفع رسوم خادمتهم في شهر رمضان لتصل إلى أربعة آلاف ريال، بل هناك شركات قامت بالفعل برفع رسومها الشهرية منذ عدة شهور، تدريجياً(3096- 3199- 3450- 3621ريال) أما يُعد هذا نوع من الاستغلال، الفاحش ونهب لما في الجيوب!! علماً بأن الرسوم التي تدفعها جميع الشركات لأجل استقدام خادمات من بلدانهن، مرة واحدة، وغالباً ما يبقين لعدة سنوات، ومثلها الإقامة، وتُجديد سنوياً ومبلغها قليل، وبالتالي بإمكانها التغلب على هذه المصروفات بما فيها رواتب الخادمات الشهرية، في بضعة شهور، أما التأمين الصحي، فنكاد نجزم بأن معظم الخادمات لا يستفدن منه شيئا، إما لتمتعهن بصحة وعافية حفظهن الله، أو لعدم قبول أكثر المستوصفات والمستشفيات للتأمين، مما يضطر المستفيدون للقيام بعلاجهن على نفقتهم ، في الحالات الحرجة، وعندما يُطالبون الشركات المعنية، بتعويضهم، فيما دفعوه، لا يجدون تجاوباً، ومن واقع تجربة، سوى قولهم كان الأولى بكم الاتصال بنا فوراً(هواتفهم دائماً مغلقة طوال الليل) أو الاتصال بالجهات الاسعافية بوزارة الصحة، لذلك لم تخسر هذه الشركات أي مبالغ مالية من هذا المنظور، ولو كانت غير ذلك لما استمرت في نشاطها، ويا ليت شعري، كم هو جميل، وتزكية للنفس وعمل ريادي، لو قامت هذه الجهات الخدمية بتحويل نظرتها المقيدة بكسب الأموال الطائلة، وكيفما شاءت من خلال سلوك الاستغلال، والجشع، والطمع والذي عبر عنه الحسن البصري يرحمه الله بقوله( صلاح الدين الورع، وفساده الطَّمع) إلى ما يرفع درجاتهم الحسنى ومقامهم الأجمل عند الله العلي القدير الذي أسبغ وأغدق عليهم بالمال الوفير، فضلاً عن إحلال البركة في أموالهم وتناميها، وذلك بتخفيف الرسوم على المستفيدين في شهر رمضان المبارك، وبخاصة الأسر التي تعاني من ظروف مالية أو اجتماعية صعبة، لما في هذا الشهر الكريم من تسابق في الخيرات ودفع للصدقات والمعونات والتبرعات، عوضاً عن تضاعف الحسنات فيه قال تعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وأن يتخذوا من القناعة عنواناً حقيقياً لسيرتهم العطرة ومسيرتهم الخلاقة، وألاّ يكون المال وكثرته مطية لاستدراجهم، ليصبحوا حينئذ عُباداً له، أو يُعولون السعادة عليه، فلقد أظهرت دراسات عالمية، بأن المال لا يُهيئ السبل الكافية للسعادة الحقيقية، وإنما هو مُجرد إدمان سلوكي، اعتبره أحد الباحثين الغربيين كالمدمن على مُسكرات، لكون الحريصين عليه يركزون دائماً على ما يزيد من دخلهم المالي في كل وقت وحين، بينما في الإسلام بخلاف هذه النظرة الضيقة للمال، كما في قوله صلى الله عليه وسلم( يقولُ ابنُ آدَمَ مالي، مالي وليس له من ماله سوى ما أكل فشبع ولبِس فأبلَي وتصدَّقْ فأبقى) وقوله أيضاً(لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة، حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه) فما أقرب ذلكمُ اليوم، بقصر أيام الدنيا الفانية، لمن فكر وتدبر وتمعن في نهاياته الحتمية، قال تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) فكم من الأغنياء وأصحاب القصور الفخمة، وممن ظلموا، وأكلوا أموال الناس بالباطل تركوها ورحلوا للدار الآخرة، دونما إرادةً منهم، قال تعالى(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون)هذا ما أحببنا تبيانه من باب المصلحة العامة، ولمن أراد أن يكون خير البرية، والله من وراء القصد.
![]()