سيظل الصراع بين الحق والباطل قائماً بين عموم البشر، حتى قيام الساعة، لما بينهم من اختلاف جلي في مُعتقداتهم الدينية، والمذهبية، وفي عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم الاجتماعية، والثقافية، والسياسية والاقتصادية، وكلاهما ضد الآخر، ويسيران في خطين مُتوازيين، وبينما يرتكز، الحق على قاعدة إيمانية راسخة بالله تعالى، لا تتبدل ولا تتغير، فإن الباطل يتشكل من أتون أفكار، بشرية، ووساوس شيطانية لا تدوم، وهما من القضايا الأزلية، والمتجددة والتي قد تكون بسيطة، أو مُعقدة، أو اجرامية، والحق يعني في المعاجم اللغوية، الثبوت، وكل ما أباحه الله، وجمعه حقوق، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم (283) مرة، منها بصيغة اسم كما في قوله تعالى(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) ومنها بصيغة فعل كما في قوله تعالى(وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) وهو أحد أسماء الله الحسنى، لقوله تعالى (وردّوا إلى الله مولاهم الحق) أما الباطل، فيعني ما لا ثبات له، ولا خير فيه، وقد تكرر لفظه في القرآن الكريم (32) مرة، بصور، مُتعددة، كما في قوله تعالى(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وقوله أيضاً(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) ولهذا الباطل مترادفات، كالضلال، والفساد والكذب والمكر، والخيانة، والخداع واللغو والتخريب والسحر، والتعدي والظلم، وجميعها، سلوكيات، غير محمودة العواقب، فيما علّق العلامة السعدي يرحمه الله على ضوء ذلك بقوله: من حكمة الله ورحمته، وسنته الجارية، أنه يمحو، الباطل ويزيله، وإذا ما كان له صولة، في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال، مُستنيراً، بقول الله تعالى( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) والزَبَد هو كل ما يطفوا فوق الماءَ عند غليانه أو سرعة حركته، وفي الأمثال العربية: الحَقُّ يعلوا، ولا يُعلوا عليه، والساكت عن الحق شيطان أخرص، وما بُني على باطل فهو باطل، والحق أَبْلَجُ كانبلاج الفجر، والْبَاطِلُ لَجْلَجٌ، أي غير، واضح ومستقيم، وفي القرآن الكريم آيات تشير إلى أن أول صراع شهده الإنسان كان مع ابليس وقتما سكن آدم عليه السلام وزوجه الجنة وقام بإغوائهما بالأكل من تلكم الشجرة التي منعهما الله من الاقتراب منها، منبهاً إياهما بقوله( يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) ورفض ابليس السجود لآدم، وتوعده بإيذاء ذريته ما تعاقب الليل والنهار، بقول الله تعالى(لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ، وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) بالإضافة لصراع قابيل مع أخيه هابيل وقتله، وصراع النبي موسى عليه السلام مع فرعون مُدعي الالوهية، وموته بالغرق، وصراع نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم مع كفار قريش، لإعلاء كلمة التوحيد، كما حدث لغيره من الأنبياء بقول الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) أما في عالمنا المعاصر، فالصراع بين الحق والباطل قد أخذ طرقاً، وأساليب وأدوات جديدة، واتسعت دائرته من جراء ما لعبته الوسائل الإعلامية والقنوات الفضائية والتقنيات الحديثة من أدوار، سلبية في مُعظمها، من خلال، ما تقدمه من، مسرحيات وأفلام، ومُساجلات أدبية، والتي من شأنها ساهمت في إثارة الهوس الفكري والمشاكل الاجتماعية والنعرات الطائفية والحزبية والقبلية والتطرف الديني، ناهيكم عن التدخلات الغربية في الشؤون العربية والإسلامية بخاص كما حصل للعراق وليبيا وسوريا وافغانستان طيلة سنوات ماضية بحجة مُحاربتها الإرهاب والقضاء على المخدرات واسلحة الدمار الشامل والمفاعلات النووية، بينما هدفها الأساسي، غرس بذور الشر والفتنة، في مجتمعات تلكم الدول، لإضعافها وانهاكها، واستغلال مواردها الطبيعية، ولكي لا تقوم لها قائمة أيضاً بين الدول المتحضرة، أما بالنسبة للشعب الفلسطيني فمنذ ما يزيد على سبعة عقود وحتى الآن يشهد، أبشع صور القمع والتجويع والتهجير والقتل والابادة الجماعية والتدمير لمنازلهم من قبل الكيان الإسرائيلي الغاشم والمتمرد وبدعم سخي من دول غربية معروفة، متجاوزاً، بذلك كل المعاهدات والقوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا عجب فمن صفات اليهود قساوة القلب والحقد واحتقار الأخرين، ونقضهم للعهود، والمواثيق وحبهم للحياة وكأنهم لابثين فيها للأبد، وفي اعتقادنا الجازم بأن أفعالهم هذه الاجرامية، والتي فاقت التصور، استدراجاً لزوالهم، كغيرهم ممن سعوا في الأرض فسادا، كالجبابرة والأكاسرة والمماليك والفرس والرومان، في أزمنة قديمة، مصداقاً لقوله تعالى(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) من جهة أخرى هناك أناس كُثر، في عالمنا اليوم، والذي اتسم بالماديات يحرصون كل الحرص على النيل من أموال طائلة بطرق ملتوية، من خداع أو نصب أو احتيال، أو يحلفون بالله، لكسب قضايا، منظورة داخل أروقة المحاكم الشرعية، على حساب حقوق آخرين أو دفع مبالغ مُعينة لمُحامين لتحقيق هذه الأهداف الباطلة من أساسها، دونما وازع من ضمير، أو خوف من الله الذي يعلم السر وأخفى، فطوبى لمن لزم الحق، وتخلى عن الباطل كيفما كان، تحقيقاً، لقوله تعالى (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَال، فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) فيما قال أحد الحكماء (سيبقى الحق حقاً ولو هجره، كل أهل الأرض، ويبقى الباطل باطلاً، ولو كان أتباعه يملؤون الأرض، فلا، يهتم أحدكم، بقلة السالكين، في طريق الحق وازدحامهم على أبواب الباطل، فطريق الحق شاق، ولكن نهايته فلاح خالد وسعادة أبدية) سائلين، المولى عز وجلّ، أن يُرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويُرينا الباطل، باطلاً، ويرزقنا، اجتنابه، وكفى بالله هادياً.
![]()